قال تقرير نشره الموقع الرسمي لمجموعة الأزمات الدولية (CrisisGroup.org) إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وضعت مصر في موقف حرج، فمن جهة، ترغب في إنهاء الحرب بأسرع وقت ممكن، وهي متخوفة من تداعيات ضعف إيران أو انهيارها على استقرار الشرق الأوسط وأمنها، وقلقة من تنامي نفوذ إسرائيل، ومتخوفة من التداعيات الاقتصادية للصراع. 


وفقًا للتقرير، فإن هذه المخاوف دفعت مصر إلى اتخاذ موقف وسيط إلى جانب باكستان وتركيا في هذا النزاع. (ومن المعروف على نطاق واسع أن السعودية، وهي أيضاً جزء من هذه المجموعة، تنسق بشكل وثيق مع دول الخليج العربية الأخرى). 

 

وأوضح أنه على الرغم من أن المسؤولين المصريين عبروا عن تعاطفهم ودعمهم لشركائهم الخليجيين، إلا أن موقف القاهرة لا يزال يثير استياء دول الخليج التي ترى في الحرب تهديدًا وجوديًا لاقتصاداتها، وتتفق على ضرورة أن تنحاز مصر وجيرانها العرب الآخرون إليها بشكل أكثر حزمًا. 

 

وأبرز التقرير المصالح الاقتصادية باعتبارها تشكل دافعًا خطيرًا لمصر في سعيها لتحقيق التوازن الدقيق، فقد بات الاستثمار الخليجي العربي ركيزة أساسية للاقتصاد المصري، ما يُسهم فعليًا في الحفاظ على استقرار الدولة المالية في ظل معاناتها من الديون وغيرها من المشاكل المزمنة. 

 

وقد أودعت السعودية والكويت 5.3 مليار دولار و4 مليارات دولار على التوالي لدى البنك المركزي المصري، بينما ضخت الإمارات 35 مليار دولار في البلاد من خلال صفقة عقارية ضخمة، والتزمت قطر باستثمار 29.7 مليار دولار في صفقة عقارية هائلة أخرى. 

 

ونظرًا للنفوذ الذي تُتيحه هذه الاستثمارات لدول الخليج، فإن المساحة المتاحة لمصر لمواصلة نهجها المتوازن في الصراع قد تتقلص. ومع ذلك، إذا ما تحولت انتقادات دول الخليج لنهج القاهرة في تحقيق التوازن إلى ضغوط تُهدد استقرار مصر، فقد تكون النتيجة عكسية تماماً.

 

الوساطة و"التوازن الاستراتيجي"


وأوضح التقرير أنه منذ أن أشعلت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما مع إيران، تسعى مصر جاهدةً لإيجاد مخرج. وقد استخدمت القاهرة القنوات الدبلوماسية والاستخباراتية للمساعدة في إقامة تواصل غير مباشر بين واشنطن وطهران، والذي استغلته الأطراف لنقل الخطوط الحمراء والرسائل ومقترحات خفض التصعيد. 

 

وتُعدّ مساعي الوساطة المصرية جزءًا من جهود كتلة غير منسقة تضم تركيا وباكستان والسعودية، لدعم اتفاق وقف إطلاق نار دائم مقبول من الطرفين. وبناءً على طلب طهران، برزت إسلام آباد كوسيط رئيس، حيث استضافت المحادثات واقترحت أطرًا لوقف إطلاق النار، بينما قدمت القاهرة وأنقرة الدعم السياسي وقامتا بدور الوسيط بين الجانبين.

 

وبين تقرير مجموعة الأزمات الدولية، أن القاهرة اختارت أن تتخذ دور الوسيط سعيًا لتحقيق ثلاثة أهداف : احتواء الأزمة، ودعم حلفائها العرب في الخليج، وتعزيز التماسك العربي الذي من شأنه أن يوازن نفوذ إسرائيل. وتخشى القاهرة بشدة احتمال انهيار الجمهورية الإسلامية تحت وطأة الحرب، مهما بدا هذا السيناريو مستبعدًا في الوقت الراهن، خشية أن يؤدي ذلك إلى سنوات من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، والإضرار بالأمن القومي المصري، وتشجيع إسرائيل على المضي قدمًا فيما تعتبره القاهرة أهدافًا توسعية.

 

وبحسب التقرير، فإن للقاهرة أيضًا أجندة خاصة تجاه طهران. فبعد عقود من القطيعة، بدأت مصر وإيران بالتقارب قبل اندلاع الحرب، حتى وإن لم تستأنفا العلاقات الدبلوماسية الكاملة بعد. وكجزء من هذا التقارب، يسّرت القاهرة إجراء محادثات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية حول برنامج طهران النووي في أواخر عام 2025. 

 

ورأى صانعو السياسة المصريون في هذا التوجه ضرورة استراتيجية لا دليلاً على التوافق، وقد أتاح الانخراط مع طهران للقاهرة التوصل إلى جهود خفض التصعيد الإقليمية التي كانت ستفتقر إليها لولا ذلك، بما فيها تلك التي تشمل جهات فاعلة مدعومة من إيران، مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. 

 

وشدد التقرير على أن امتلاك القاهرة قنواتها الخاصة للتأثير والاطلاع يعد أمرًا بالغ الأهمية، نظرًا لما تراه تناقضًا في طريقة تعامل عواصم الخليج وواشنطن مع طهران وحلفائها من غير الدول.

 

وينطلق موقف مصر من إدراكها لحدود نفوذها. فهي الدولة العربية الأكثر اكتظاظًا بالسكان، إذ يتجاوز عدد سكانها 118 مليون نسمة، وتقع على مفترق طرق آسيا وأفريقيا، ما يجعلها كبيرة جدًا وموقعها مركزيًا بحيث لا يمكنها تجاهل الفوضى المحيطة بها. لكنها في الوقت نفسه تعاني من ضائقة مالية تحول دون بسط نفوذها في الشؤون الإقليمية. 

 

وعلى عكس بعض شركائها الخليجيين، أو تركيا، أو الولايات المتحدة، أشار التقرير إلى أن مصر تفتقر إلى النفوذ المالي والسياسي، أو القوة العسكرية، للتأثير على سلوك الجهات الفاعلة غير الحكومية من خلال الإغراء أو الاستمالة أو الإكراه. ويؤكد التقييم الموضوعي لهذه القيود تفضيل القاهرة للدبلوماسية الحذرة باعتبارها الأداة الأكثر فعالية في إدارة شؤون الدولة.

 

وفي الوقت نفسه، اعتبرت تجنّب التحالفات التي تُنَفِّر الأطراف الأخرى، مع تنويع الشركاء، جزءًا لا يتجزأ مما تُسمّيه القاهرة "مبدأ التوازن الاستراتيجي". عمليًا، قال إن هذه الاستراتيجية تهدف إلى حماية البلاد من الصدمات الخارجية وتجنّب التدخل العسكري، حتى في ظلّ ضغوط من شركاء مقرّبين للانضمام إليهم في تحالفات. 

 

وقد التزمت القاهرة بهذا النهج إلى حدّ كبير، حتى عندما أدّى ذلك إلى توتر العلاقات مع داعمين اقتصاديين رئيسين. ففي عام 2015، على سبيل المثال، ضغطت السعودية دون جدوى من أجل نشر قوات مصرية لدعم حملتها العسكرية في اليمن - التي تهدف إلى طرد الحوثيين - في الوقت الذي استمرّت فيه بتقديم الدعم الاقتصادي للحكومة المصرية.

 

وإلى جانب قيودها الحالية، تبرر مصر ضبط النفس بالإشارة إلى صدمات الماضي، وكثيرًا ما يتحدث المسؤولون عن إرث التدخل العسكري المكلف في اليمن في ستينيات القرن الماضي والحروب المتتالية مع إسرائيل. 

 

بالنسبة للقيادة المصرية، أوضح التقرير أن هذه التجارب تُبرز حدود القوة العسكرية للبلاد في التأثير على نتائج المنطقة، كما تُساعد في تزويد الجمهور الخارجي بتبرير واضح لسياستها الانعزالية. 

 

وبينما قال إن القاهرة اتخذت أحيانًا نهجًا أكثر تدخلاً، لا سيما عندما رأت تهديدات مباشرة لأمنها القومي، وبخاصة على طول حدودها، وذكر ليبيا والسودان على سبيل المثال لتصرف مصر الحازم، مهددةً بعمل عسكري لمواجهة هجوم تركي مضاد على حلفائها في شرق ليبيا عام 2020، ويُزعم أنها نفذت غارات بطائرات مسيرة لدعم الجيش السوداني. 

 

وفي خضم التوترات مع أديس أبابا، انتشرت شائعات غير رسمية حول غارات جوية مصرية محتملة على سد النهضة الإثيوب، لكنه اعتبر هذه الحالات تشكل استثناءات لما كان، في مجمله، قاعدة عدم التدخل.

 

الاعتبارات الداخلية وضبط النفس

 

وربط التقرير هذه الاستراتيجية بالاعتبارات الداخلية التي تفرض ضبط النفس. فالمصريون عمومًا يعارضون الانخراط في الحرب الحالية، التي يعزوها معظمهم إلى العدوان الأمريكي الإسرائيلي. 

 

ولكن في حين أن المشاعر المعادية لإسرائيل منتشرة على نطاق واسع، وفي بعض الأوساط، مصحوبة بتعبيرات عن تعاطف غير معتاد مع إيران، فإن القلق الاقتصادي هو الذي يهيمن على اهتمام الرأي العام. فارتفاع أسعار الوقود، والتضخم المستمر، والمخاوف من مزيد من التدهور الاقتصادي، تُثقل كاهل المجتمع المصري أكثر بكثير من التحالفات الجيوسياسية. 

 

وتُلحق الحرب الضرر باقتصاد كان يُظهر بوادر تعافٍ من ركود جائحة كوفيد-19 وتداعيات الحروب في أوكرانيا وغزة. ففي الفترة من يوليو إلى ديسمبر 2025، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 5.3% ، مرتفعًا من 3.9% في الفترة نفسها من عام 2024؛ وانخفض التضخم إلى 11.9% في يناير 2026، بعد أن بلغ ذروته عند 38% في سبتمبر 2023؛ وبلغت عائدات السياحة مستوى قياسياً قدره 16.7 مليار دولار في عام 2025. وبلغت الاحتياطيات الأجنبية 53.8 مليار دولار في مارس 2026، بزيادة عن 40.3 مليار دولار في مارس 2024.

 

لكن التقرير أشار إلى أن أن الوضع يبدو أنه يزداد سوءًا الآن. فقد انخفضت إيرادات قناة السويس بنسبة 38% في الربع الأول من عام 2026، نتيجة استئناف الحوثيين لفترة وجيزة لهجماتهم على الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، والتي شنّوها خلال حرب غزة. ومن المرجح أن يمتنع العديد من السياح عن زيارة مصر، خوفًا من الاقتراب من منطقة الحرب في الخليج وحوله. 

 

كما يُتوقع انخفاض تحويلات المصريين العاملين في الخليج بسبب الاضطرابات الاقتصادية. في الوقت نفسه، ارتفعت تكاليف الطاقة بشكل حاد، مما أجبر الحكومة على رفع أسعار الوقود واتخاذ إجراءات تقشفية، بما في ذلك قطع الكهرباء وتقييد ساعات عمل الشركات، الأمر الذي أغرق المدن التي كانت تعج بالحياة في ظلام دامس. وتعرض الجنيه المصري لضغوط متجددة، حيث انخفضت قيمته بشكل حاد من حوالي 48 إلى 55 جنيهًا للدولار منذ بدء الحرب، مما أدى إلى ارتفاع تكلفة الواردات. 

 

وتوقع التقرير أن ينتج عن ذلك دوامة تضخمية جديدة. إذ لا تزال احتياطيات العملات الأجنبية تحت الضغط، في حين تواجه مصر مشكلة في إمدادات الطاقة، مما أدى إلى تسابق محموم للحصول على النفط المستورد، على سبيل المثال من ليبيا المجاورة.

 

المشي على حبل مشدود


مع ذلك، أوضح التقرير أن أكبر المخاوف الاقتصادية قد تكون لم تظهر بعد، وقد تعتمد قدرة مصر على التعامل معها إلى حد كبير على دعم دول الخليج، التي لا يُقدّر بعضها موقف القاهرة في الصراع، على الرغم من جهودها لإظهار التضامن دون التورط فيه. 

 

ويؤكد المسؤولون المصريون على الجهود التي بذلوها للتعبير عن تعاطفهم مع شركاء الخليج العرب الذين يعانون من هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية. ولهذا الغرض، زار (قائد الانقلاب) عبد الفتاح السيسي عدة عواصم خليجية في مارس، بينما قام وزير الخارجية، وفقًا لمسؤولين مصريين، بسبع زيارات إلى المنطقة منذ بدء الحرب. وقد أدانت بيانات صادرة عن  وزارة الخارجية ورئاسة الجمهورية مرارًا وتكرارًا الهجمات الإيرانية على السعودية والإمارات وقطر وغيرها، مع التأكيد على "تضامن مصر الكامل" مع دول الخليج وقلقها على أمنها. 

 

وإلى جانب المغرب، أرسلت مصر أيضًا طائرات مقاتلة وأفرادًا إلى الخليج، إلا أن هذه الخطوة، في حرب يأتي فيها التهديد الرئيس على شكل طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية، قد تُعتبر رمزية إلى حد ما، كما يصفها التقرير.  وفي محاولة واضحة لتلطيف العلاقات مع أبو ظبي - التي كان دعمها المالي مهمًا بشكل خاص للقاهرة - ذهب السيسي إلى الإمارات العربية المتحدة في مايو والتقطت له صورة مع الرئيس الإماراتي أمام الطائرات المصرية. 

 

مع ذلك، أوضح التقرير أن الاستياء لا يزال قائمًا. فقد عبّر العديد من  المعلقين البارزين في دول الخليج العربية، وشخصيات بارزة في الأوساط السياسية، عن استيائهم من موقف القاهرة. وبالفعل، وعلى الرغم من كون الإمارات العربية المتحدة الأكثر صراحةً في التعبير عن استيائها، فإنّ الموقف المصري، من وجهة نظر معظم أعضاء مجلس التعاون الخليجي، وإن بدرجات متفاوتة، يبدو غامضًا في أحسن الأحوال. لا سيما في بداية الحرب، حين أطلقت إيران مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة على دول الخليج، بما في ذلك مواقع مدنية، توقعت عواصم الخليج أن توجه القاهرة غضبها بشكل أقوى نحو طهران (التي وصف بعض المسؤولين المصريين أفعالها بأنها "انتقامية") بدلاً من توجيهه نحو الولايات المتحدة وإسرائيل (اللتين انتقدتهما القاهرة لتحريضهما على الحرب).  

https://www.crisisgroup.org/cmt/middle-east-north-africa/egypt/strategic-balance-under-stress-egypt-and-us-israeli-war-iran